قبل عام ١٩١٤ ، كانت أوروبا تعيش واحدة من أقدم صور العولمة الحديثة. فبفضل نظام المعيار الذهبي، كانت رؤوس الأموال تتحرك بحرية بين الدول مع استقرار العملات والسيطرة على الاحتكاكات التجارية في أقل مستوياتها .
لكن خلف هذا الاستقرار الظاهري، كانت هناك مشكلات اقتصادية تتزايد تدريجيًا، مما ساهم في تهيئة الظروف لاندلاع الحرب العالمية الأولى
الأسباب الاقتصادية لقيام الحرب العالمية الأولى
مع تسارع الحركة الصناعية في أوروبا، بدأت الموارد المحلية في النفاذ بشكل سريع، مما أدى إلى اعتماد المراكز الصناعية الكبرى في بريطانيا وفرنسا وألمانيا على الاستيراد من الخارج للحصول على مواد أساسية للإنتاج، مثل النفط والمطاط وخام الحديد .
وبدلًا من الاعتماد على التجارة العالمية المفتوحة، بدأت القوى الأوروبية تنظر إلى الاقتصاد من منظور الميركانتيلية، وهي فكرة تقوم على أن ثروة العالم محدودة، وأن مكسب دولة يعني بالضرورة خسارة دولة أخرى .
ولضمان حصولها على الموارد، وسعت القوى الاستعمارية، مثل بريطانيا وفرنسا، إمبراطورياتها وأنشأت تكتلات تجارية مغلقة؛ فامتلاك مستعمرة كان يعني الحصول على المواد الخام بشكل حصري مع ضمان وجود سوق للتصدير، ونتيجة لذلك، أصبحت القوى الصناعية غير الاستعمارية، مثل ألمانيا، في وضع اقتصادي أضعف
فألمانيا كانت تعتمد في الحصول على مواردها الأساسية على طرق تجارة بحرية تسيطر عليها دول منافسة لها، وللتغلب على هذا الوضع سعت ألمانيا إلى تأمين طرق تجارية برية، مثل مشروع سكة حديد برلين-بغداد، بهدف الحصول على نفط الشرق الأوسط وتوسيع نفوذها .
وبحلول عام ١٩١٤ ، أصبحت القوى الأوروبية ترى أن الدخول في نزاعات عسكرية قد تكون هي الوسيلة لتأمين الموارد الصناعية التي يحتاجها اقتصادها
تداعيات الحرب العالمية الأولى
انتهت الحرب العالمية الأولى رسميًا عام ١٩١٩ بتوقيع معاهدة فرساي، التي ألزمت ألمانيا بدفع تعويضات حرب تقدر بمليارات العملات الأجنبية لكل من بريطانيا وفرنسا، وفي الوقت نفسه رفعت الدولتان الرسوم الجمركية على المنتجات الألمانية لحماية صناعاتهم المحلية، وهذا جعل من الصعب على ألمانيا جمع الأموال التي تحتاج إليها من خلال التجارة .
ولجمع هذه الأموال، اضطرت ألمانيا إلى الاقتراض من البنوك الأمريكية لسداد تعويضات الحرب، وفي المقابل، كان على بريطانيا وفرنسا سداد ديونهم للحكومة الأمريكية، واعتمدوا في ذلك على التعويضات الألمانية، وهكذا نشأ مثلث ديون أمريكي هش، كان يعتمد بشكل كبير على استمرار القروض الأمريكية .
لكن عندما بدأ الكساد العظيم عام ١٩٢٩ ، انخفضت تدفقات رؤوس الأموال الأمريكية إلى ألمانيا بأكثر من ٨٠ ٪، وأدى ذلك إلى انهيار الشبكة المالية التي كانت تربط اقتصادات أوروبا ببعضها
الطريق الاقتصادي نحو الحرب العالمية الثانية
أدى انهيار وول ستريت إلى توقف الائتمان الدولي، وبدأت الأنظمة المصرفية في مختلف أنحاء أوروبا بالانهيار أيضًا، ومع ارتفاع البطالة إلى مستويات غير مسبوقة وزيادة الاضطرابات الاجتماعية، تراجعت الحكومات عن استمرار التعاون الاقتصادي الدولي، واتجهت نحو القومية الاقتصادية بإعطاء الأولوية للاقتصاد المحلي، وسرعان ما تحولت هذه السياسات إلى حرب تجارية. ففي عام ١٩٣٠ ، أقرت الولايات المتحدة قانون سموت-هولي للرسوم الجمركية، الذي رفع الرسوم على الواردات إلى ٦٠ ٪، وقابلت الدول الأوروبية هذا القانون بفرض حواجز تجارية مماثلة، مما أدى لانخفاض حجم التجارة العالمية بنسبة ٦٦ ٪ بين عامي ١٩٢٩ و .١٩٣٤
في الوقت نفسه، زاد نظام المعيار الذهبي من صعوبة الأزمة؛ مما اضطر الدول التي تعاني من عجز تجاري إلى رفع أسعار الفائدة للحد من خروج رؤوس الأموال والذهب. لكن أدى ذلك إلى نتيجة عكسية حيث انخفض الاستثمار المحلي، وزاد معدل البطالة، وتراجع احتياطي الذهب؛ مما اضطر بريطانيا إلى التخلي عن المعيار الذهبي عام .١٩٣١ .
وأدى الانخفاض المفاجئ في قيمة الجنيه الإسترليني إلى موجة من سياسات إفقار الجار؛ حيث بدأت الدول بخفض قيمة عملاتها بهدف تحسين قدرتها التنافسية على حساب الدول الأخرى، وخلال السنوات التالية تخلت أكثر من ٤٠ دولة عن ربط عملتها بالذهب أملا في تحقيق مزايا اقتصادية.
لكن نتيجة لتزامن هذه الانخفاضات معا، اختفت المزايا تقريبًا، ونتج عن ذلك اضطراب واسع في النظام النقدي وانهيار في أسعار الصرف وصولا لانهيار نظام المعيار الذهبي وتقسيم العالم إلى تكتلات نقدية متنافسة وبالتالي انهيار النظام المالي العالمي .
اندلاع الحرب العالمية الثانية
بعد انهيار النظام المالي العالمي فقدت الدول ثقتها بالنظام النقدي الدولي، وأصبحت غير قادرة على الاعتماد على العملات الأجنبية لشراء السلع الأساسية، لكن القوى الاستعمارية، مثل بريطانيا وفرنسا، كانت تمتلك تكتلاتها التجارية المغلقة، بينما اتجهت ألمانيا واليابان وإيطاليا نحو الاكتفاء الذاتي ومحاولة تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقلال الاقتصادي عن الدول الأخرى، على الرغم من نقص مواردها، لذا فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل كان أمرا مستحيلًا؛ نظرا لعدم امتلاكها للموارد المطلوبة؛ لذلك توصل قادتها إلى أن التوسع والغزو العسكري قد يكونان السبيل الوحيد لتأمين الأراضي الزراعية وحقول النفط ومناجم المعادن التي يحتاج إليها اقتصادهم .
الخاتمة
تؤدي الميركانتيلية والعزلة التجارية بشكل كبير إلى تقسيم التجارة العالمية إلى تكتلات مغلقة، مما يضع الدول التي لا تنتمي إلى هذه التكتلات تحت ضغط اقتصادي متزايد؛ كما أن استخدام الحواجز الجمركية كأداة للضغط الاقتصادي، إلى جانب هشاشة أنظمة الديون، يترك الدول أمام خيارات محدودة، ويدفعها نحو القومية الاقتصادية المتطرفة؛ وفي النهاية، يوضح ذلك كيف يمكن أن يؤدي الاضطراب النقدي والأسواق المغلقة إلى تحويل الضعف الاقتصادي إلى صراع عسكري .

